

الباحث : عبد الوهاب محمد الجبوري
نقولها لمن لا يريد أن يسمعها أو يغض الطرف عنها أن العدوان الإسرائيلي على غزة هو استمرار للعدوان الصهيوني على فلسطين والأمة العربية ، والذي كان قد بدا تنفيذه العملي الواسع باغتصاب فلسطين عام 1948 ومازال مستمرا وسيستمر لاحتلال المزيد من الأراضي العربية ، وهو جزء من المشروع الصهيوني بإقامة ما تسميه المصادر الدينية الإسرائيلية دولة إسرائيل الكبرى ومن ثم ارض إسرائيل العظمى تمهيدا لإقامة المملكة اليهودية العالمية – بدعم وإسناد الولايات المتحدة والحركة الصهيونية وقوى عالمية أخرى - حسب الأساطير التوراتية والتلمودية التي وضعها ورسمها حاخامات اليهودية منذ فترة طويلة ..
فالمهمات التي وضعتها الحركة الصهيونية ابتدأت من زمن بعيد ولا زالت مستمرة تحارب على جبهات متعددة لكنها تنطوي على متناقضات لا سبيل لحصرها أو حلها أو المواءمة فيما بينها ، ابتدأت من فراغ كلي يكتنف جميع المقولات والمفاهيم التي تشكلت عليها قاعدة ادعاءاتها ، عدا أنها تنهض على أساس غير خلقي ولا إنساني ، فقد عملت على تحديد اتجاهين متوازيين :
اتجاه يلغي واقعا ماديا قائما وهو وجود الشعب العربي في فلسطين واتجاه وهمي مفترض لا وجود له باعتباره وجودا فعليا قائما حقا وهو الوجود اليهودي الاستيطاني الاحلالي ..
من هنا يجب أن يفهم العرب والمسلمون قادة وحكاما وشعوبا ومفكرين ومثقفين وباحثين وأحزابا وحركات سياسية وفكرية وثوارا وغيرهم أن الوسائل التي استخدمتها الصهيونية العالمية للوصول إلى أهدافها كثيرة ، لكن من أهمها توظيف التاريخ لخدمة مشروعها العدواني التوسعي العنصري ، وصولا إلى تحقيق أهداف سياسية محددة ، فالتاريخ بالنسبة للفكر الصهيوني هو التوراة والتلمود ، والديانة اليهودية ابنة هذا التاريخ ، والديانة اليهودية والتاريخ التوراتي هما عكازتا الحركة الصهيونية اللتان لولاهما لظلت تراوح في مكانها دون أن تحقق أي من أهدافها ودون أن يقدر لها الاستمرار ..
لقد استمد الفكر الصهيوني جانبا من فلسفته من التراث الديني اليهودي الذي يقوم على أساس من عزل اليهودي عن غير اليهودي ، وقد تم هذا العزل من خلال مجموعة من المفاهيم الدينية التي فسرت تفسيرا عنصريا قوميا ، ومن أهم هذه المفاهيم خصوصية الإله وخصوصية العهد والاختيار الإلهي وخصوصية الخلاص الإلهي ..
وقد أدت الترجمة العنصرية للمفاهيم الدينية إلى تحويل الديانة اليهودية إلى ديانة قومية خاصة والى تكوين صورة سلبية للآخر غير اليهودي تصل في قمتها إلى التعبير عن الرغبة في دماره وإبادته لان الخلاص الذي يحققه( الرب ) لجماعته الخاصة يقابله دمار شامل لأعداء (الرب ) ويمثل هؤلاء الأعداء بقية البشرية – حسب المزاعم اليهودية – فالبشر ينقسمون إلى يهود وغير يهود إلى أهل عهد مع الرب وبقية البشر ليسوا من أهل العهد ، إلى مختارين وغير مختارين ، وفي النهاية إلى مخلصين وغير مخلصين أو هالكين ..
والأمر الآخر المهم الذي نود الإشارة إليه هو أن الصهيونية استخدمت النظريات العرقية الغربية لتبرير نقل اليهود المنبوذين من أوربا وتبرير إبادة السكان الأصليين ، وقد وضعت أوربا اليهود والغجر في أدنى السلم العرقي عن أوربا ، وبالنسبة للشعوب غير الأوربية فقد اعتبرتهم النظرية الغربية متخلفين حضاريا وعرقيا ، واختلقت ما سمي بعبء الرجل الأبيض الذي يفرض عليه غزو الشعوب الأخرى لإدخالها في الحضارة ، وهكذا اخذ الفكر الصهيوني بهذه النظرية العنصرية وطبقها حرفيا في طرح برامج التعامل مع العرب ، وبرر غزو فلسطين وطرد العرب منها أو إبادتهم بنفس النظرية التبريرية الاستعمارية وتكونت الرؤية اليهودية ( ببعديها الصهيوني والإسرائيلي ) للعربي الفلسطيني وللعربي عموما من عنصرين :
الأول : يعتبر العربي عضوا في الشعوب الشرقية الملونة المتخلفة ..
الثاني : يرى في العربي ممثلا للاغيار ، ووفق هذه الرؤية ، فان العربي شخصية متخلفة يجب نقلها إلى المدنية والحضارة على يد الحركة الصهيونية التي ترى اليهودي عضوا في الحضارة الغربية منتميا إلى الجنس الأبيض وموضع القداسة ..
إن بناء الأيديولوجية الصهيونية يستمد براهين أثباته ويكتسب قوة تصديقه في المجتمع اليهودي الصهيوني عبر الصياغة الفكرية الخاصة لوقائع الصراع مع العرب وأحداثه ، سواء فيما يتعلق بمقولة معاداة السامية التي تجد في التفسير الخاص للعداء العربي إثباتا لصوابها أو فيما يتعلق بمقولة الشعب اليهودي الواحد التي تجد في الهجرة متعددة الأجناس برهانا على صدقها أو فيما يتعلق بمقولة الأرض التاريخية التي تجد في الاستجابة الجغرافية العربية الرخوة لعمليات الاحتلال الإسرائيلي مصداقا لصوابها ، وهي المقولات الثلاث الأساسية التي تكون البنية الجوهرية للأيديولوجية الصهيونية ..
لقد أقام الفكر الصهيوني مشروعه العنصري العدواني الاستيطاني الاحلالي التوسعي – المستند إلى التوراة التي بين أيدينا وعلى التلم































